.. وقلت لي ؛ مالي أراك لا تلق بالا لما يجري وتنأى بنفسك عن الأحداث ؟ أما عاد الوطن يهمك ؟ هل قطعت أواصرك معه ؟ أأخذتك الغربة بعيدا وجرفك ألأغتراب كما جرف ألآخرين ؟
نعم ما عاد الوطن يهمني ، ولم يهمني من لم يهتم يوما بي ؟
هل تعرف قصة أمرؤ القيس ؟ لا بأس ... حتى ان كنت تعرفها سأعيد لك روايتها بأختصار فلي من وراءها مقصد
كان أمرؤ القيس ابنا لأحد ملوك العرب الا أنه كان شابا ماجنا لا يحسن التصرف كأبن ملك مما حدا بأبيه ان يطرده فعاش طريدا في الفيافي الممتدة الى ما لا نهاية مع صحبه ممن هم على شاكلته . في يوم من الأيام قتل أبوه فجاء من ينقل اليه الخبر فأهتم هما شديدا لأنه اصبح لزاما عليه ان يترك ما هو فيه من مجون وعربدة ليذهب طلبا للثأر من قاتل أبيه كعادة العرب فقال قوله الشهير بحق أبيه :
ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا
وانا اعكس قوله فأقول بحق "ألوطن" : حملني دمه صغيرا وضيعني كبيرا !
نعم قضينا شبابنا في حروب و تقاذفتنا معسكرات التدريب بدلا من السفرات السياحية ولبسنا "البساطيل" أكثر بكثير مما لبسنا أحذية الرياضة ، وزففنا الى المقابر اكثر مما زففنا الى ألأعراس .وفي كل مرة نقول حسنا انتهت هذه المحنة وألآتي افضل وسنعيش كخلق الله على هذه الارض فنجد محنة ادهى وأمر وكان آخرها بالنسبة لي حين ضاق بي "الوطن" وضقت به وكان علي وانا في هذا العمر ان اترك كل ما عملت من اجله لسنين طوال وان اهدم ما بنيت بجهد وتعب وأشد الرحال الى المنافي ، ماذا تريدني ان أذكر من هذا "الوطن" ؟ واي حسنة له اذكرها ان ذكر القوم حسنات موتاهم ؟
الكلام طويل واشفق عليك طول القراءة ، ولكني اقول ليست الغربة من "أخذني" ، فانا مسبقا قلت "كفى" ، ما عاد هذا البلد وطنا لي .
ادناه رسالة كتبتها بعد عدة أشهر من مغادرتي العراق الى سوريا لسيدة عراقية تعيش في أحدى بلاد المنفى ، كانت تشكو الغربة والحنين للعراق وبكاءها على ما آل اليه "الوطن" ، رسالتي هذه تلخص موقفي في سنة 2007 ، ولا زال موقفي كما كان .
تحياتي القلبية .
سيدتي الرقيقة
جسدي مثخن بالجراح واهونها جرح هذا الذي تسمينه " وطن " .
لم تنكاي جرحي فحسب بل ادخلت يدك في عمقه وتركته فاغرا فاهه يصب الدماء كعين ماء مدرارة .
كلانا يبكي اوجاعه وهو يلملم جراحه ، ولكن الفرق بيننا انك تبكين وطنا ، في حين ابكي انا عمرا ضيعه هذا الوطن !
ابكي عشرون عاما من عمري ضاعت في خدعة كبيرة وكذبة حقيرة اسمها "الوطن" .
انا من بغداد ... من مدينة غادرت اهلها وغادروها ، غدرت باهلها وغدروا بها ... ولست ادري حتى ألآن من بدا الغدر بالآخر.
انا على العكس منك ؛ لا احن الى العراق ولا اشعر بالغربة ، فقد تركت غربتي خلفي هناك ... يوم غادرت "وطنا" ما كان يوما من ألأيام وطني .
غادرت العراق وانا اجرجر حقيبة ملأتها بحطام ألأحلام ، وشظايا ألأمل المكسور وبقايا العمر المهدور ...
حقيبة مليئة بالذكريات ، بالأحزان ، بجراح بقيت تئن وتنزف طوال الطريق حتى تركت وراءنا خطا احمر من دم قان يدل علينا ؛ من هنا جاءوا ... والى هناك ذهبوا .
وحين سالني ألأطفال :
- الى اين نحن ذاهبون ؟
قلت لهم اننا ذاهبون في رحلة طويلة نبحث فيها عن وطن .
- وهل سنعود يوما الى العراق ؟
- لا ، لن نعود ، فهناك تحكم الضباع ، وحيث تحكم الضباع لا مكان للجياد ...
سنمشي طويلا وسنرحل بعيدا حتى نجد وطنا تسيرون في شوارعه آمنين وتلعبون في مدارسه ورياضه فرحين مطمئنين ، وحين نفتح باب بيتنا في الصباح لن نرى جثثا لأناس مجهولين ، بل سنرى حدائق ملئت بالزهور واناس أحياء يبتسمون ويضحكون .
سنجد وطنا يعطينا ولا ياخذ منا ، يعزنا ولا يذلنا ، يحتضننا ولا يضيعنا بعد كل هذه السنين ، وبالتاكيد لن يكون اسمه سبة نحملها معنا في جوازات سفرنا اينما ذهبنا كانها سمة عار وصمت بها جباهنا .
وكان هذا الحلم ... وبقي هذا ألأمل .