We are locked behind fences that we built by our own hands

14 August 2013

في المستشفى

قلت لك ساكتب لك فيما بعد ، صحيح انني تاخرت ولكن ان تأتي متاخرا خير من الا تاتي .... وها انا أفي بوعدي ..

العام الماضي أجرت أحدى الصحف ألألمانية لقاءا معي بصفتي من المهاجرين لألمانيا وألألمان يريدون ان يقرأوا ويعرفوا عن موضوع المهاجرين لأنهم حديثو عهد بقبول مهاجرين الى دولتهم . كان أحد أسئلة الصحفية عن مدى ألأختلاف بين موطني ألأصلي - العراق - وبين ألمانيا !! هل تعرف ماذا أجبتها ؟  قلت لها : كاننا ( العراقيون في العراق والألمان في المانيا) نعيش في كواكب مختلفة وليس على نفس الكوكب ، نحن من كوكب وأنتم من كوكب  ! عندما نشرت المقابلة كان هذا عنوانها : نعيش في كوكبين مختلفين .
نعم الى هذه الدرجة الفرق كبير ، فرق في كل شيء في الشكل في اللغة في الدين في العادات في التقاليد في ألأصول ... والأهم : في الأخلاق .
في الثمانينيات كنا نسمع عن "الغرب" وتطورهم وحضارتهم واخلاقهم وثقافتهم ممن سنحت له الفرصة للمجيء الى هنا سائحا او موفدا ( كان السفر ممنوعا على العراقيين )  ، ولكن ان تقضي شهرا او شهرين هنا شيء وان تعيش بينهم لعدة سنين شيء آخر ، ان تسكن في فندق في مركز المدينة وسط المحال التجارية شيء وان تسكن في منطقة سكنية وسط اهل البلد شيء آخر ، ان تقضي  يومك في مراكز التسوق صباحا وفي ألأماكن الليلية ( الا يفعل كل السواح العرب ذلك؟ ) شيء وان تقضي يومك في المدارس ومراجعة الدوائر الحكومية وأسواق الخضار شيء آخر، ناهيك عن ان آخر ما كان يفكر فيه السائح العربي ( ولا زال ) هو التعرف الى ثقافة البلد الذي يزوره من خلال التعرف بناسه وزيارة مكتباته او معامله العملاقة او مسارحه او قلاعه التاريخية . هذا طبعا بالاضافة الى اهتمام الشخص نفسه بملاحظة الفروق حتى الدقيقة منها وعقد المقارنات بين ما لدينا وما لديهم .
في البداية صدمت بحجم الهوة التي تفصلنا عنهم ، لا يمكنك ان تتخيل مدى الفرق بيننا وبينهم في كل شيء ، ولكن بعد سنتين توصلت الى نتيجة : ليسوا هم المتقدمين ، ليسوا سوى بشر عاديين يعيشون كما يجب ان يعيش البشر ويتصرفون كما المفروض ان يتصرف ألأنسان بما يميزه عن الحيوان ، وانما نحن الذين تخلفنا هو الشيء الغير اعتيادي ، لم اكن اعرف كم نحن متخلفون الا حين اتيحت لي الفرصة لأرى الجانب ألآخر ، لا يمكن ان تقول عن شيء كبير اوصغير ، حار او بارد ، فاتح او غامق الا ان قارنته بشيء آخر ، لا يمكن لمن قضى حياته على احدى ضفاف النهر ان يعرف هل الضفة الاخرى اجمل ام اقبح ، احسن ام اسوأ ما لم يعبر اليها ، وحتى ان عبر اليها فما لم يقض وقتا كافيا هناك فلن تتكون له الصورة الكاملة عن كل ما فيها ، هل فهمت ما اعني ؟ اطلت عليك بمقدمتي ، لهذا سانقل لك بعض الأمثلة في هذه الكتابة والكتابات اللاحقة لعلي اوفق بنقل بعض الصورة اليك وانا اعرف انني لن اتمكن من نقلها كاملة فمن يسمع ليس كمن يرى ومن يرى ليس كمن يعايش .
كنت ارقد في المستشفى بعد اجراء عملية جراحية ، وجاءتني الممرضة صباحا كما في كل يوم لأجراءاتها الروتينية : قياس ضغط الدم ودقات القلب ، واخذ حرارة المريض وسؤاله كيف هو وكبف قضى ليلته وان كان بحاجة لشيء ... الخ ،  وغني عن القول كيف هي الممرضة وكيف هو ملبسها ونظافته وابتسامتها ولطف كلامها وفرحها كانها ذاهبة لأستلام الراتب وليس لمعاينة مريض، وهذا كله بدون ان اضع بيدها الف دينار كلما سلمت علي ! هل تصدق ان في هذا العالم ناس يؤدون عملهم الذي ياخذون راتبهم عنه بدون ان يأخذوا منك " اكرامية" ؟ عجايب !!
بعد ان ذهبت الممرضة عدلت وسادتي وانا انوي ان اعود للنوم - كحال كل العراقيين الذين يسهرون ليلا ولا يستطيعون ان يفتحوا اعينهم صباحا- واذا بالباب يدق ثانية وتدخل امرأة ستينية العمر ترتدي ملابس تشبه ملابس الممرضات ولكنها تختلف عنها بعض الشيء ، استغربت من مجيئها فانا لم ارها سابقا ضمن طاقم الممرضات كما ان الممرضة الصباحية اجرت اللازم للتو ، سلمت علي فاخبرتها بان الممرضة كانت هنا قبل قليل واجرت اللازم ، ردت علي بالالمانية ما لم افهمه فقلت لها انني لا اتكلم الالمانية وطلبت منها ان تتكلم بالانكليزية فقالت :
- انا  لست ممرضة انا عضوة من فريق متطوعين يلف على المستشفيات  لمواساة المرضى .
-عفوا ، لم افهم .
-عادة ما يكون المريض وحيدا في المستشفى وحالته النفسية ليست على ما يرام بسبب مرضه وبسبب ساعات طوال يقضيها وحيدا ، وبعض المرضى ليس لديهم من يزورهم ، فنأتي نحن متطوعين لنرفه عن المرضى بقضاء بعض الوقت معهم نتبادل اطراف الحديث ونسولف معهم بدلا من بقاءهم وحيدين او نقضي لهم بعض الحاجات ان كانوا محتاجين لشيء، وهذا عمل تطوعنا لتأديته .
- ألآن فهمت ، لكني آسف فانا لا اتحدث ألألمانية .
-انا ايضا اسفة فانا اعرف ان انكليزيتي ركيكة ولن يمكننا تبادل حوار بها ، ولكن يمكنني ان اقضي لك بعض الحوائج .
- مثل ماذا ؟
- يمكنني ان اذهب الى المكتبة لأستعير بعض الكتب لك لتقضي بها وقتك .
- كنت في المكتبة والكتب الموجودة كلها بألألمانية لا افهمها .
- آه صحيح ، آسفة ... هل تريد ان اذهب للتسوق بدلا عنك ؟ هل تحتاج الى شيء من ألأسواق ؟ عصير ؟ بسكت ؟ اي شيء ؟ يمكنني ان أذهب الى السوق لآتيك بما تريد .
- شكرا ، جلبت لي زوجتي امس كل شيء .
- هل نسيت شيئا في البيت تريده او تحتاج اليه ؟ ملابس ؟ غيارات ؟ راديو ؟ كتاب ؟ يمكنني الذهاب لبيتك وجلب ما تحتاجه .
- شكرا جزيلا ، معي كل ما أحتاجه ، لست بحاجة لشيء .
- طيب اذا ... ساذهب لزيارة المرضى ألآخرين .. اتمنى لك الشفاء السريع والصحة الدائمة والخروج باسرع وقت من المستشفى .
- شكرا لقدومك .
- العفو ...مع السلامة .
- مع السلامة .

ماذا اعلق ؟ ماذا اقول ؟ هل أقارن ؟ لمن قرأ الأسطر السابقة بصورة سطحية يبدو الموضوع تافها ، ولكن لمن يتعمق ويقارن سيرى الفرق . ما الذي يجبر امراة بهذا العمر ان تبذل هذا الجهد لخدمة مرضى لا تعرفهم ؟ مع ملاحظة انها ألمانية وأنا اجنبي ( ومن العالم الثالث ) ولست من ابناء بلدها ولا من قوميتها ولا من جنسها ولا من دينها وتضع نفسها بخدمتي كانها مدينة لي بدين !
من من عجائزنا تفعل مثل هذه المراة ؟ لنترك العجائز لحالهن ونسال من منا فعل يوما فعلا مشابها وزار مرضى لا يعرفهم ليرفه عنهم او يقضي حوائجهم ؟ بالرغم من اننا كلنا نحفظ احاديث رسولنا الكريم ( ص) عن زيارة المريض وعيادته ، انا لم افعل ، بل حتى لم افكر يوما بذلك ، هل فعلها احدكم ؟ حسنا ...هل سمعتم بأحد - مجرد سماع - فعلها ؟ اي اخلاق يحملون واي انسانية في داخلهم حتى يحسوا بالاخرين لهذه الدرجة ، حتى يقدموا - كبشر - ما يستطيعون للتخفيف عن انسان اخر حتى ان كانوا لا يعرفونه . اين نحن من كل هذا ؟ متى سنصل الى نصف هذه الاخلاق ( وليس مثلها ) ؟ سأترك لك المقارنة والحكم .

وللأمثال بقية.

ملاحظة : في كل مستشفى توجد مكتبة عامة بمئات الكتب والكثير من المجلات الأسبوعية والصحف اليومية ، وهي مفتوحة ألأبواب اربعة وعشرين ساعة ولا يوجد موظف لمراقبتها او تسجيل اسم من استعار منها وما استعاره ، يمكنك الذهاب اليها في اي وقت تشاء وتقليب كتبها ومجلاتها وصحفها كما تريد فان شئت فبأمكانك الجلوس هناك للقراءة او اخذ ما تشاء لغرفتك دون ان يسالك اي شخص عما اخذت وليس لديهم اي مخاوف بان "يستعير" احدهم محتويات المكتبة "أستعارة دائمية " . 

No comments:

Post a Comment