We are locked behind fences that we built by our own hands

02 May 2024

أنا والوطن ..(4)

لنعد الى فرضية نشوء الوطن وللمجموعة التي كانت نواة تشكله وناخذها كمثال لكلامنا .
قلنا بانها مجموعة من البشر تسكن ارضا معينة يتعاون رجالها في الصيد والزراعة ونساؤها  في رعاية ألأطفال وشؤون المنزل ويتقاسمون ما يحصلون عليه من صيد وناتج زراعي بالتساوي .
كل شخص من هذه المجموعة يحس نفسه جزءا منها لأنها توفر له ألأمان من خطر الحيوانات والمجموعات ألأخرى من البشر ، كما توفر له تسهيلات حياتية كثيرة بتعاون جميع افرادها في العمل ومد يد المساعدة له ان احتاجها .
 لذا لا احد يفكر مجرد تفكير بترك هذه المجموعة والعيش وحيدا حيث يخسر كل هذه المزايا ، كما انه مستعد للقتال حتى الموت في سبيل هذه المجموعة التي وفرت له كل هذا.
لنفرض ان احد أطفال هذه المجموعة نشأ شريرا بالفطرة ، قويا بجسمه، شرسا بطبعه وعندما بلغ مبلغ الرجال أخذ يستولي على الحصة ألأكبر من الطعام ويرفض بالمقابل ان يشارك المجموعة في الصيد او الزراعة ، وحين عاتبه احدهم فانه ببساطة قتله !
بعدها احاط نفسه بعدد من الاتباع الذين كان يعطيهم حصة اكبر من الطعام الذي يستولي عليه وحصة اقل من العمل المفروض عليهم مقابل ان يساعدوه في ضرب او قتل باقي افراد المجموعة الذين يعترضون على تصرفاته هذه.
هنا انقسمت المجموعة الى قسمين : قسم كبير من المسالمين الذين يعملون طوال اليوم في الصيد والزراعة ، وقسم صغير يضم هذا الشرير واتباعه الذين يستولون على كل ما تحصل عليه المجموعة من صيد وطعام (دون ان يشاركوا هم في هذا العمل) ولا يعطون القسم ألأعظم الا القليل من بقايا الطعام . وفوق هذا فان الموت مصير من يعترض على هذا الظلم.
برايك كيف سيكون شعور اي شخص من المجموعة الكبيرة التي سلبت حقوقها ؟ هل ستعني له هذه المجموعة مثلما كانت تعني له ؟
لم تعد المجموعة قادرة ان تحميه من بطش الشرير واتباعه ، فقدت العدالة فصار يشعر بالظلم الدائم لانه يعمل كثيرا ولكن ألأخرون ياخذون ثمرة جهده هذا بدون ان يعملوا شيئا ، قلة الطعام جعلته يفكر بكيفية زيادة حصته منه على حساب اصدقاءه ليطعم عائلته الخاصة ، خوفه من بطش الشرير وزبانيته جعله يخاف من ابداء رايه او حتى التواصل مع من كانوا اصدقاءه خوفا من الوشاية.
كبر الخوف وانسحب ألأمان، لذا فشيئا فشيئا تحولت المجموعة الى مجاميع صغيرة من عوائل صغيرة لا يفكر كل منها الا بعائلته الصغيرة وبقاءهم على قيد الحياة ، ولا يوحد هذه العوائل المتناثرة الا الخوف الاكبر من بطش الشرير. اما المجموعة الكبرى .. المجموعة ألأم فلم تعد تعني شيئا. لم تعد توفر لاي شخص منها ما كانت توفره له من حماية وشعور بالامان كانت توفرهما له من قبل، فقد المزايا التي كان يتمتع بها سابقا، اذا ما الذي يدفعه الى ان يقدم لهذه الجماعة ما كان يقدمه لها لنها ببساطة لا تقدم له شيئا ، بل بالعكس هي تاخذ منه ولا تعطيه، لم يشارك بالعمل مع الاخرين ؟ ولم سيدافع عنها عند الخطر ؟ مقابل ماذا سيضحي بحياته ؟ والاهم ما الذي بقي يربطه بها ؟ ما الذي يجبره على البقاء معها ؟ لماذا لا يدهب بعيدا عنها عله يجد مجموعة اخرى توفر له ما فقده هنا ؟

19 April 2019

الله

لست بحاجة لمن يثبت لي وجود الله وهو في داخلي.

12 July 2015

أنا والوطن ..(3)

لنبدأ من البداية ونرى كيف نشأت الأوطان ، فهذه البداية تعطينا فكرة خالصة لمفهوم الوطن بلا قشور ولا حذلقة كلامية .
أفترض انه في عهد ألأنسان القديم كان الناس يعيشون كعوائل منفصلة ؛ رجل وأمراة وأولادهم، تطور ألأمر لأن تعيش عائلتين او ثلاثة معا حين أدركوا فوائد ذلك : خروج الرجال للصيد بمجموعة من اكثر من رجلين او ثلاثة سيضاعف (ويسهل) فرص حصولهم على الصيد ، كما سيكون ذلك أأمن للرجل من خروجه منفردا ان جابه حيوانا كبيرا أو خطرا ، تسهيل العمل على المجموعة ان أرادوا انجاز عمل كبير مثل تحريك صخرة من الطريق او مد شجرة فوق جدول للعبور عليها .. الخ ، وألأهم من كل ذلك هو توفير قدر اكبر من الحماية لكل المجموعة من الرجال والنساء وألأطفال ، والدفاع عن وجودها ان هاجمها حيوان او حيوانات متوحشة او مجموعة اخرى من البشر .
تكبر هذه المجموعة بحكم الولادات الجديدة وانضمام عوائل اخرى اليها ( للأستفادة من الميزات اللواتي وفرهن العيش الجماعي ) وتزداد حاجتها الى المزيد من الطعام فيذهب الرجال الى الصيد في اماكن ابعد من قبل بحثا عن الطرائد ، تتوسع دائرة البحث عن الطعام بصورة مستمرة ، وهنا يظهر مبدا جديد : انهم لن يسمحوا لأفراد او مجموعة اخرى بالصيد او البحث عن الطعام ضمن حدود دائرتهم هذه ، فما موجود داخل هذه الدائرة هو لهم فقط وليس لغيرهم، هذا المبدا جر شيئا جديدا لمفهوم العيش الجماعي : ألأرض التي تعيش عليها هذه المجموعة ، هذه ألأرض صارت ملكا لهم وحدهم لا يدخلها شخص لا ينتمي للمجموعة وبالتاكيد ليس له الحق بالأستفادة من مواردها (الطعام) ، ومن يفعل ذلك سيجد نفسه عرضة لهجوم اصحاب ألأرض ، بأختصار ... صار للمجموعة ارضا تدافع عنها وتقاتل من أجلها بعد ان كان القتال لحماية النفس والنساء وألأطفال.
وغني عن القول انه مع ازدياد اعداد المجموعة المستمر سواء بالتكاثر الطبيعي او اندماج المجموعات مع بعضها والتوسع المضطرد لأرضها صارت تلامس حدود اراضي المجموعات المجاورة ، وهنا كانت بدايات الحروب بين المجموعات للاستحواذ على اوسع مساحة من ألأرض ، وبعد ذلك بدأت الحروب بين المجموعات (صار هنا اسمها"دول") للأستحواذ على الموارد الطبيعية لدول أضعف منها ... أي بدأ ألأستعمار.

هذا المفهوم البسيط للوطن لا زال قائما حتى اليوم وبالحقيقة هو نواة فكرة المواطنة .

15 May 2015

أنا والوطن ..(2)

كثر الحديث عن الوطن ، واختلف الناس حوله ؛ بين عاشق حد الوله وناقم حد الكفر ... وبين متبع لأخباره -على البعد - ومن يحول قناة التلفزيون الى اخرى ان ذكر وطنه ... بين من يبيع حياته فداءا للوطن وبين من يبيع وطنه لقاء حفنة من الدولارات ، ولكن ... بالاساس ما هو الوطن ؟ في حيرة بين تناقض المواقف تجاه الوطن سأل احد ألأصدقاء : ما هو الوطن ؟ قبل ان نختلف ونتجادل حوله لنتفق أولا ما المقصود بكلمة وطن .

في أحد النقاشات سألت احد المدافعين عن الوطن ماذا تعني له هذه الكلمة فقال انها ألأرض التي ولدنا فيها ونعيش عليها كما عاش عليها اباؤنا واجدادنا قبلنا وعليها سيعيش لبناؤنا من بعدنا.
 لم اتقبل هذه الفكرة نهائيا ، لو كنا اشجارا او نباتات لصح هذا التعريف ولكننا لسنا كذلك ، وتعريفي للوطن يفرق عن ذلك.
لذا اليه ساكتب ...

06 June 2014

أنا والوطن (1)


.. وقلت لي ؛ مالي أراك لا تلق بالا لما يجري وتنأى بنفسك عن الأحداث ؟ أما عاد الوطن يهمك ؟ هل قطعت أواصرك معه ؟ أأخذتك الغربة بعيدا وجرفك ألأغتراب كما جرف ألآخرين ؟
نعم ما عاد الوطن يهمني ، ولم يهمني من لم يهتم يوما بي ؟
هل تعرف قصة أمرؤ القيس ؟ لا بأس ... حتى ان كنت تعرفها سأعيد لك روايتها بأختصار فلي من وراءها مقصد
كان أمرؤ القيس ابنا لأحد ملوك العرب الا أنه كان شابا ماجنا لا يحسن التصرف كأبن ملك مما حدا بأبيه ان يطرده فعاش طريدا في الفيافي الممتدة الى ما لا نهاية مع صحبه ممن هم على شاكلته . في يوم من الأيام قتل أبوه فجاء من ينقل اليه الخبر فأهتم هما شديدا لأنه اصبح لزاما عليه ان يترك ما هو فيه من مجون وعربدة ليذهب طلبا للثأر من قاتل أبيه كعادة العرب فقال قوله الشهير بحق أبيه :
ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا

وانا اعكس قوله فأقول بحق "ألوطن" : حملني دمه صغيرا وضيعني كبيرا !
نعم قضينا شبابنا في حروب و تقاذفتنا معسكرات التدريب بدلا من السفرات السياحية ولبسنا "البساطيل" أكثر بكثير مما لبسنا أحذية الرياضة ، وزففنا الى المقابر اكثر مما زففنا الى ألأعراس .وفي كل مرة نقول حسنا انتهت هذه المحنة وألآتي افضل وسنعيش كخلق الله على هذه الارض فنجد محنة ادهى وأمر وكان آخرها بالنسبة لي حين ضاق بي "الوطن" وضقت به وكان علي وانا في هذا العمر ان اترك كل ما عملت من اجله لسنين طوال وان اهدم ما بنيت بجهد وتعب وأشد الرحال الى المنافي ،  ماذا تريدني ان أذكر من هذا "الوطن" ؟ واي حسنة له اذكرها ان ذكر القوم حسنات موتاهم ؟
الكلام طويل واشفق عليك طول القراءة ، ولكني اقول ليست الغربة من "أخذني" ، فانا مسبقا قلت "كفى" ، ما عاد هذا البلد وطنا لي .
ادناه رسالة كتبتها بعد عدة أشهر من مغادرتي العراق الى سوريا لسيدة عراقية تعيش في أحدى بلاد المنفى ، كانت تشكو الغربة والحنين للعراق وبكاءها على ما آل اليه "الوطن" ، رسالتي هذه تلخص موقفي في سنة 2007 ، ولا زال موقفي كما كان .
تحياتي القلبية .


سيدتي الرقيقة

جسدي مثخن بالجراح واهونها جرح هذا الذي تسمينه وطن " .
لم تنكاي جرحي فحسب بل ادخلت يدك في عمقه وتركته فاغرا فاهه يصب الدماء كعين ماء مدرارة .
كلانا يبكي اوجاعه وهو يلملم جراحه ، ولكن الفرق بيننا انك تبكين وطنا ، في حين ابكي انا عمرا ضيعه هذا الوطن !
ابكي عشرون عاما من عمري ضاعت في خدعة كبيرة وكذبة حقيرة اسمها "الوطن" .

انا من بغداد ... من مدينة غادرت اهلها وغادروها ، غدرت باهلها وغدروا بها ... ولست ادري حتى ألآن من بدا الغدر بالآخر.
انا على العكس منك ؛ لا احن الى العراق ولا اشعر بالغربة ، فقد تركت غربتي خلفي هناك ... يوم غادرت "وطناما كان يوما من ألأيام وطني .
غادرت العراق وانا اجرجر حقيبة ملأتها بحطام ألأحلام ، وشظايا ألأمل المكسور وبقايا العمر المهدور ...
حقيبة مليئة بالذكريات ، بالأحزان ، بجراح بقيت تئن وتنزف طوال الطريق حتى تركت وراءنا خطا احمر من دم قان يدل علينا ؛ من هنا جاءوا ... والى هناك ذهبوا .

وحين سالني ألأطفال :
الى اين نحن ذاهبون ؟
قلت لهم اننا ذاهبون في رحلة طويلة نبحث فيها عن وطن .
وهل سنعود يوما الى العراق ؟
لا ، لن نعود ، فهناك تحكم الضباع ، وحيث تحكم الضباع لا مكان للجياد ...

سنمشي طويلا وسنرحل بعيدا حتى نجد وطنا تسيرون في شوارعه آمنين وتلعبون في مدارسه ورياضه فرحين مطمئنين ، وحين نفتح باب بيتنا في الصباح لن نرى جثثا لأناس مجهولين ، بل سنرى حدائق ملئت بالزهور واناس أحياء يبتسمون ويضحكون .
سنجد وطنا يعطينا ولا ياخذ منا ، يعزنا ولا يذلنا ، يحتضننا ولا يضيعنا بعد كل هذه السنين ، وبالتاكيد لن يكون اسمه سبة نحملها معنا في جوازات سفرنا اينما ذهبنا كانها سمة عار وصمت بها جباهنا .

وكان هذا الحلم ... وبقي هذا ألأمل .

14 August 2013

في المستشفى

قلت لك ساكتب لك فيما بعد ، صحيح انني تاخرت ولكن ان تأتي متاخرا خير من الا تاتي .... وها انا أفي بوعدي ..

العام الماضي أجرت أحدى الصحف ألألمانية لقاءا معي بصفتي من المهاجرين لألمانيا وألألمان يريدون ان يقرأوا ويعرفوا عن موضوع المهاجرين لأنهم حديثو عهد بقبول مهاجرين الى دولتهم . كان أحد أسئلة الصحفية عن مدى ألأختلاف بين موطني ألأصلي - العراق - وبين ألمانيا !! هل تعرف ماذا أجبتها ؟  قلت لها : كاننا ( العراقيون في العراق والألمان في المانيا) نعيش في كواكب مختلفة وليس على نفس الكوكب ، نحن من كوكب وأنتم من كوكب  ! عندما نشرت المقابلة كان هذا عنوانها : نعيش في كوكبين مختلفين .
نعم الى هذه الدرجة الفرق كبير ، فرق في كل شيء في الشكل في اللغة في الدين في العادات في التقاليد في ألأصول ... والأهم : في الأخلاق .
في الثمانينيات كنا نسمع عن "الغرب" وتطورهم وحضارتهم واخلاقهم وثقافتهم ممن سنحت له الفرصة للمجيء الى هنا سائحا او موفدا ( كان السفر ممنوعا على العراقيين )  ، ولكن ان تقضي شهرا او شهرين هنا شيء وان تعيش بينهم لعدة سنين شيء آخر ، ان تسكن في فندق في مركز المدينة وسط المحال التجارية شيء وان تسكن في منطقة سكنية وسط اهل البلد شيء آخر ، ان تقضي  يومك في مراكز التسوق صباحا وفي ألأماكن الليلية ( الا يفعل كل السواح العرب ذلك؟ ) شيء وان تقضي يومك في المدارس ومراجعة الدوائر الحكومية وأسواق الخضار شيء آخر، ناهيك عن ان آخر ما كان يفكر فيه السائح العربي ( ولا زال ) هو التعرف الى ثقافة البلد الذي يزوره من خلال التعرف بناسه وزيارة مكتباته او معامله العملاقة او مسارحه او قلاعه التاريخية . هذا طبعا بالاضافة الى اهتمام الشخص نفسه بملاحظة الفروق حتى الدقيقة منها وعقد المقارنات بين ما لدينا وما لديهم .
في البداية صدمت بحجم الهوة التي تفصلنا عنهم ، لا يمكنك ان تتخيل مدى الفرق بيننا وبينهم في كل شيء ، ولكن بعد سنتين توصلت الى نتيجة : ليسوا هم المتقدمين ، ليسوا سوى بشر عاديين يعيشون كما يجب ان يعيش البشر ويتصرفون كما المفروض ان يتصرف ألأنسان بما يميزه عن الحيوان ، وانما نحن الذين تخلفنا هو الشيء الغير اعتيادي ، لم اكن اعرف كم نحن متخلفون الا حين اتيحت لي الفرصة لأرى الجانب ألآخر ، لا يمكن ان تقول عن شيء كبير اوصغير ، حار او بارد ، فاتح او غامق الا ان قارنته بشيء آخر ، لا يمكن لمن قضى حياته على احدى ضفاف النهر ان يعرف هل الضفة الاخرى اجمل ام اقبح ، احسن ام اسوأ ما لم يعبر اليها ، وحتى ان عبر اليها فما لم يقض وقتا كافيا هناك فلن تتكون له الصورة الكاملة عن كل ما فيها ، هل فهمت ما اعني ؟ اطلت عليك بمقدمتي ، لهذا سانقل لك بعض الأمثلة في هذه الكتابة والكتابات اللاحقة لعلي اوفق بنقل بعض الصورة اليك وانا اعرف انني لن اتمكن من نقلها كاملة فمن يسمع ليس كمن يرى ومن يرى ليس كمن يعايش .
كنت ارقد في المستشفى بعد اجراء عملية جراحية ، وجاءتني الممرضة صباحا كما في كل يوم لأجراءاتها الروتينية : قياس ضغط الدم ودقات القلب ، واخذ حرارة المريض وسؤاله كيف هو وكبف قضى ليلته وان كان بحاجة لشيء ... الخ ،  وغني عن القول كيف هي الممرضة وكيف هو ملبسها ونظافته وابتسامتها ولطف كلامها وفرحها كانها ذاهبة لأستلام الراتب وليس لمعاينة مريض، وهذا كله بدون ان اضع بيدها الف دينار كلما سلمت علي ! هل تصدق ان في هذا العالم ناس يؤدون عملهم الذي ياخذون راتبهم عنه بدون ان يأخذوا منك " اكرامية" ؟ عجايب !!
بعد ان ذهبت الممرضة عدلت وسادتي وانا انوي ان اعود للنوم - كحال كل العراقيين الذين يسهرون ليلا ولا يستطيعون ان يفتحوا اعينهم صباحا- واذا بالباب يدق ثانية وتدخل امرأة ستينية العمر ترتدي ملابس تشبه ملابس الممرضات ولكنها تختلف عنها بعض الشيء ، استغربت من مجيئها فانا لم ارها سابقا ضمن طاقم الممرضات كما ان الممرضة الصباحية اجرت اللازم للتو ، سلمت علي فاخبرتها بان الممرضة كانت هنا قبل قليل واجرت اللازم ، ردت علي بالالمانية ما لم افهمه فقلت لها انني لا اتكلم الالمانية وطلبت منها ان تتكلم بالانكليزية فقالت :
- انا  لست ممرضة انا عضوة من فريق متطوعين يلف على المستشفيات  لمواساة المرضى .
-عفوا ، لم افهم .
-عادة ما يكون المريض وحيدا في المستشفى وحالته النفسية ليست على ما يرام بسبب مرضه وبسبب ساعات طوال يقضيها وحيدا ، وبعض المرضى ليس لديهم من يزورهم ، فنأتي نحن متطوعين لنرفه عن المرضى بقضاء بعض الوقت معهم نتبادل اطراف الحديث ونسولف معهم بدلا من بقاءهم وحيدين او نقضي لهم بعض الحاجات ان كانوا محتاجين لشيء، وهذا عمل تطوعنا لتأديته .
- ألآن فهمت ، لكني آسف فانا لا اتحدث ألألمانية .
-انا ايضا اسفة فانا اعرف ان انكليزيتي ركيكة ولن يمكننا تبادل حوار بها ، ولكن يمكنني ان اقضي لك بعض الحوائج .
- مثل ماذا ؟
- يمكنني ان اذهب الى المكتبة لأستعير بعض الكتب لك لتقضي بها وقتك .
- كنت في المكتبة والكتب الموجودة كلها بألألمانية لا افهمها .
- آه صحيح ، آسفة ... هل تريد ان اذهب للتسوق بدلا عنك ؟ هل تحتاج الى شيء من ألأسواق ؟ عصير ؟ بسكت ؟ اي شيء ؟ يمكنني ان أذهب الى السوق لآتيك بما تريد .
- شكرا ، جلبت لي زوجتي امس كل شيء .
- هل نسيت شيئا في البيت تريده او تحتاج اليه ؟ ملابس ؟ غيارات ؟ راديو ؟ كتاب ؟ يمكنني الذهاب لبيتك وجلب ما تحتاجه .
- شكرا جزيلا ، معي كل ما أحتاجه ، لست بحاجة لشيء .
- طيب اذا ... ساذهب لزيارة المرضى ألآخرين .. اتمنى لك الشفاء السريع والصحة الدائمة والخروج باسرع وقت من المستشفى .
- شكرا لقدومك .
- العفو ...مع السلامة .
- مع السلامة .

ماذا اعلق ؟ ماذا اقول ؟ هل أقارن ؟ لمن قرأ الأسطر السابقة بصورة سطحية يبدو الموضوع تافها ، ولكن لمن يتعمق ويقارن سيرى الفرق . ما الذي يجبر امراة بهذا العمر ان تبذل هذا الجهد لخدمة مرضى لا تعرفهم ؟ مع ملاحظة انها ألمانية وأنا اجنبي ( ومن العالم الثالث ) ولست من ابناء بلدها ولا من قوميتها ولا من جنسها ولا من دينها وتضع نفسها بخدمتي كانها مدينة لي بدين !
من من عجائزنا تفعل مثل هذه المراة ؟ لنترك العجائز لحالهن ونسال من منا فعل يوما فعلا مشابها وزار مرضى لا يعرفهم ليرفه عنهم او يقضي حوائجهم ؟ بالرغم من اننا كلنا نحفظ احاديث رسولنا الكريم ( ص) عن زيارة المريض وعيادته ، انا لم افعل ، بل حتى لم افكر يوما بذلك ، هل فعلها احدكم ؟ حسنا ...هل سمعتم بأحد - مجرد سماع - فعلها ؟ اي اخلاق يحملون واي انسانية في داخلهم حتى يحسوا بالاخرين لهذه الدرجة ، حتى يقدموا - كبشر - ما يستطيعون للتخفيف عن انسان اخر حتى ان كانوا لا يعرفونه . اين نحن من كل هذا ؟ متى سنصل الى نصف هذه الاخلاق ( وليس مثلها ) ؟ سأترك لك المقارنة والحكم .

وللأمثال بقية.

ملاحظة : في كل مستشفى توجد مكتبة عامة بمئات الكتب والكثير من المجلات الأسبوعية والصحف اليومية ، وهي مفتوحة ألأبواب اربعة وعشرين ساعة ولا يوجد موظف لمراقبتها او تسجيل اسم من استعار منها وما استعاره ، يمكنك الذهاب اليها في اي وقت تشاء وتقليب كتبها ومجلاتها وصحفها كما تريد فان شئت فبأمكانك الجلوس هناك للقراءة او اخذ ما تشاء لغرفتك دون ان يسالك اي شخص عما اخذت وليس لديهم اي مخاوف بان "يستعير" احدهم محتويات المكتبة "أستعارة دائمية " . 

17 July 2013

Just a photo

Photo “Forest” by Ava Verino #OGQ http://bgh.ogqcorp.com//share/h/6fDq5